طلال أبوغزاله... طفل النكبة الذي حمل يافا عمرًا كاملاً

14-junio-2026

طلال أبوغزاله... طفل النكبة الذي حمل يافا عمرًا كاملاً

إحسان التميمي

في يافا التي تسمى عروس البحر حيث يهمس الموج وتتسلل رائحة البرتقال من بعيد، وقف فندق أبوغزاله شامخًا حتى طالتها ريح الغدر عام 1948 فأحالت الحياة إلى أطلال، والأحلام إلى ذاكرة محاصرة بالشتات.
حينها امتدت يد حارس أملاك الغائبين الطويلة والأثمة لتصادر الفندق وتقطعه إلى شقق صغيرة كواقع جديد انتهجته الصهيونية لتثبيت الاستيطان والمفارقة المبكية أن الكيان أطلق على الأهالي الذين طردوا قسرا أو هجروا من أراضيهم بأنهم "غائبون" وأقر أملاك الغائبين كواحد من ثلاثة قوانين عنصرية يستند إليها في نزع أملاك الفلسطينيين الذين ركبوا البحر نحو المنفى.

ومن بين هؤلاء كان الطفل طلال أبوغزاله، المولود في يافا عام 1938 حيث تحتفظ وثيقة الهوية رقم 14006، الصادرة عن الهيئة العربية العليا لفلسطين في 27 شباط 1951، بصورته وتفاصيله الدقيقة: اسم الوالد الحاج توفيق أبوغزاله، والوالدة السيدة أديبة، والمهنة طالب، والعنوان الطريق الجديدة – بيروت وقد تكون الوثيقة باهتة الألوان، لكنها ثقيلة كأنها تحمل في طيّاتها سواد الظلم والطغيان
غادر الفتى طلال مع عائلته بحرًا، ومنذ ذلك اليوم لم يتوقف عن النظر إلى شاطئ يافا من بعيد، كأن المدينة لا تزال تناديهم بصوت الحق، ليس في الأمر حنين فحسب، بل إصرار وجودي على العودة كحق الشجرة في التمسك بترابها، بينما ظن المجرمون الذين بنوا كيانهم الأتم أن الزمن سيمحو كل شيء وأن الكبار سيموتون والصغار سينسون.

 وبينما كان اللص الذي اسموه حارس الأملاك يوزع الغنائم، بقي قرابة أربعة آلاف فلسطيني في المدينة تحت الحكم العسكري، في غيتو يافا أو حي العجمي الذي حوّلته سلطات الكيان إلى منطقة معزولة ومحاطة بالأسلاك الشائكة دون أن يتمكن معظمهم من تسجيل ملكياتهم، بينما أعطى الكيان اللقيط بيوتهم لشركات الإسكان عطاء من لا يملك إلى من لا يستحق.
 واليوم، تستمر النكبة بأشكال أخرى مثل التثمين العقاري القسري، والتهويد الحضري، والضغط الاقتصادي الذي يطرد ما تبقى من أهل يافا، وفي مواجهة هذا المحو المنهجي، تقف مجموعة "ذاكرات" التي تأسست عام 2002 على يد مجموعة من النشطاء اليهود بهدف توعية الجمهور اليهودي في إسرائيل بالنكبة والاعتراف بالمسؤولية الأخلاقية عنها، بالإضافة إلى دعم حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم
الناشط نيفا غرونزويغ مديرة المشاريع في ذاكرات تقول "السلطات تكثف عملية المحو... يخشون مما قد يحدث إذا ظهرت الحقيقة" وهي بالمناسبة ابنة الناشط في حركة "السلام الآن" إميل غرونزويغ الذي اغتاله صهيوني متطرف بقنبلة القاها على مظاهرة سلمية في القدس 1983

غرونزويغ على حق فالحقيقة، حين تخرج من قمقم الذاكرة، لا تهدد رواية فحسب، بل تهز أساس مشروع قام على نفي الآخر، لذا فإن مبادرة بيوت وراء التقاطع في يافا تكشف الجرح نفسه مدينة كانت عربية النكهة، صارت اليوم متصلة بتل أبيب بجسر يحجب التاريخ، لكن الذاكرة لا تعترف بالتقاطعات، بل تتسلل كالنبات البري بين الشقوق، وتُزهر في الصور القديمة، والوثائق المحفوظة، وأحاديث الآباء التي تنقلها إلى الأبناء كوصية لا تموت.

إن إصرار عائلة أبوغزاله، ومئات الآلاف مثلهم، على التمسك بالحق في العودة ليس مجرد موقف، بل فعل مقاومة وجودي إذ أن الإنسان الذي يتنازل عن أرض آبائه يفقد جزءًا من روحه وهم لم يتنازلوا، بل ظلت يافا تعيش فيهم، وهم فيها واليوم يعود الفندق إلى الظهور الآن كأحد المعالم التاريخية والمنازل والممتلكات الخاصة التي يتم عرضها باعتبارها معالم فلسطينية ومواقع أثرية شاهدة على النبكة وطلال أبوغزاله، الطفل الذي غادر على قارب عام 1948، صار رجلاً يحمل في صدره مدينة بأكملها لا تموت، يافا، مهما غيّروا اسمها ولونها ورائحتها، تظل تنادي أهلها. والأهل... لن يصمتوا.



AI

TAG AI

Welcome to the TAG AI!

Ask me anything, and I'll do my best to help you.

login