24-May-2026
أبوغزاله يعيد رسم مسار الابتكار العربي
لم يكن الابتكار في الدول العربية في يوم من الأيام
أزمة عقول بمقدار ما هو أزمة في وضع الفكرة موضع التنفيذ ونقل الفكرة من الورق إلى
واقع يمكن للمصنع أن يفهمه، وللمستثمر أن يحسبه، وللمستهلك أن يقبله.
وربما تكون الأزمات التي تمر بها دولنا العربية اليوم
سببها القصور في الاستثمار في العقول والمعرفة العلمية وانعدام بيئة تشغيلية
محفزة، فلو قدر لنا تأمل رفوف مكاتب براءات الاختراع من المحيط إلى الخليج سنجدها
ملآ بابتكارات وأفكار ذكية، بل أحيانًا ذكية أكثر مما ينبغي والغرابة ليست من من
وجودها هناك، بل من بقائها بين دفتي الكتب.
قد تبدأ الأزمة الأولى في مسيرة الابتكار العربي عادة
في اللحظة التي يغادر فيها المبتكر مساحته الخاصة بفكرة متماسكة أو نموذج أولي ثم
يسأل نفسه من سيصنع هذا، أو من سيدفع ثمن أول نسخة تجريبية ولماذا ينبغي لأي مصنع
أن يخاطر أصلًا، أسئلة ليست جديدة على أي مبتكر عربي وفي في هذا الفراغ تحديدًا
يظهر ما يمكن تسميته بالاختناق البنيوي بين الفكرة والتطبيق.
يوم أمس وخلال مؤتمر الابتكار في زمن التحديات أعلن
الدكتور طلال أبوغزاله رئيس ومؤسس مجموعة طلال أبوغزاله العالمية الرقمية الدولية،
عن تخصيص 500 ألف دولار كاستثمار تأسيسي لصندوق الابتكار في مسعى لإعادة تعريف
العلاقة بين الفكرة ورأس المال .
المفكر
العربي أبوغزاله قدّم الفكرة بصيغة مباشرة؛ إذا اخترعت شيئًا، هناك من سيدخل معك
في تحويله إلى منتج بشراكة مبكرة ومبكرة جدًا إن جاز التعبير، لكنها مبكرة بالقدر
الذي يعيد تعريف مرحلة ما قبل السوق أصلًا.
الأهمية هنا لا تكمن في قيمة الصندوق، بل في طبيعة
الإشارة التي يحملها بأن هناك من قرر أن يتقدم خطوة نحو نقطة البداية، لا نقطة
النهاية أن يتعامل مع الاختراع باعتباره أصلًا اقتصاديًا قابلًا للبناء، لا مجرد
منتج ينتظر الموافقة أو الاحتضان.
وهذه النقطة تحديدًا هي ما يجعل المبادرة قابلة لأن
تتحول إلى نموذج يُحتذى به فالأمر ليس مجرد صندوق تمويل، بل مسعى لخلق ثقافة
استثمار مختلفة، ترى في المخترع شريكًا لا متلقيًا للدعم، وفي الفكرة مادة عمل لا
حبر على ورق خاصة أن أبو غزاله كشف في الوقت ذاته عن قرب إطلاق مجموعة طلال أبو
غزالة العالمية الرقمية، مشروعا فنيا علميا يقوم على إيجاد مسار جديد في التعليم،
يضمن تخريج كفاءات تلبي احتياجات سوق العمل
ربما لو اتسعت هذه التجربة عربيًا قد نكون أمام خطوة
ليس لتحسين بيئة الابتكار فقط بل تغيير في طريقة التفكير الاقتصادي نفسها: من
اقتصاد ينتظر المنتج النهائي إلى اقتصاد يدخل في لحظة التكوين الأولى، حيث لا يزال
كل شيء قابلًا للتشكيل وإعادة التوجيه.
قد
يبدو الأمر بسيطًا على مستوى الإعلان، لكنه على مستوى الأثر المحتمل يحمل ما يكفي
ليحرّك دولًا أخرى إلى إعادة النظر في طريقة تعاملها مع العقول المنتجة لأنه بدأ
من المكان الذي غالبًا لا ننتبه له وهو ولادة الفكرة والابتكار لتبدأ ملامح سؤال جديد بالظهور وهو كيف سيبدو الابتكار العربي إذا توقفنا أخيرًا عن
تركه في الرفوف أو بين دفات الكتب.
إحسان التميمي